هناك لحظات في العمر لا يطويها الزمن، ولا تستطيع السنوات أن تخفف من وقعها. لحظات تبقى محفورة في أعماق القلب، بكل تفاصيلها ومشاعرها، وكأنها حدثت بالأمس

وبالنسبة إليّ، هناك أمسية رمضانية لم تغادرني يوماً… أمسية ما زلت أعيشها في داخلي كلما عاد رمضان، وكأن الزمن لم يتحرك منذ تلك اللحظة

كانت بعد الإفطار

ذلك الوقت الذي تغمره سكينة الشهر الفضيل، وتلتقي فيه العائلات، وتملأ الطمأنينة أرجاء البيوت. كان كل شيء هادئاً ومألوفاً، إلى أن انطلق الخبر عبر شاشة التلفزيون

انتقل إلى رحمة الله تعالى صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ومؤسس الاتحاد

لا أعرف كيف أصف لكم تلك اللحظة

أتذكر أنني كنت أمام الشاشة، أستمع إلى الكلمات، وأحاول أن أستوعب ما أسمع. كنت أتمنى في داخلي لو أن الخبر غير صحيح، لو أنني لم أسمعه، لو أن أحداً يخبرني بأن ما قيل لم يحدث

لكن الحقيقة كانت أمامي

لقد رحل أبونا زايد

وانهمرت دموعي دون استئذان

لم أستطع منعها، ولم أكن أريد أن أقاومها. لم يكن الأمر بالنسبة إليّ مجرد رحيل رئيس دولة أو مؤسس وطن. كان شعوراً بفقدان أبٍ ارتبط اسمه في قلوبنا بالأمان، والحنان، والعطاء، والكرامة، وبكل ما يجعل الإنسان يشعر أن له وطناً يحتضنه

كان زايد بالنسبة إلينا أكثر من قائد؛ كان أباً للوطن، وأباً في وجدان أبنائه، ورمزاً للطمأنينة التي لا يمكن وصفها بالكلمات

وفي تلك الأمسية، لم أشعر أن الإمارات فقدت حاكماً فحسب، بل شعرت أن وطناً بأكمله فقد أباه

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد تلك الأمسية مجرد ذكرى في حياتي. أصبحت لحظة تسكن قلبي، وتعود إليّ كل عام دون أن أستطيع التحكم بدموعي

كلما أقبل رمضان، وكلما اقتربت ذكرى رحيله، أجد نفسي أعود إلى تلك اللحظات

أعود إلى ما بعد الإفطار

إلى شاشة التلفزيون

إلى صوت إعلان الخبر

إلى تلك الصدمة التي لم تستطع السنوات أن تمحوها

وأبكي

نعم، أبكي وكأنني أسمع الخبر للمرة الأولى

قد يتساءل البعض: كيف يمكن للإنسان أن يبكي بعد كل هذه السنوات وكأن الفقد حدث للتو؟

والجواب أن بعض المحبة لا تقاس بالسنوات، وبعض الأشخاص لا يصبحون مجرد ذكرى مهما طال الزمن. هناك أشخاص يتركون في أرواحنا مكانة لا يستطيع الغياب أن يملأها، ولا يستطيع الزمن أن ينتزعها

وهذا ما يمثله لي زايد

عندما أستعيد صورته، لا أرى فقط الرجل الذي أسس دولة الاتحاد، بل أرى قصة وطن، وحكاية أجيال، ورؤية إنسان آمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار في مستقبل الأوطان

أرى الأب الذي جعل من العطاء نهجاً، ومن الرحمة قيمة، ومن الاتحاد قوة، ومن الإنسان محوراً لكل تنمية

أرى القائد الذي لم يكتفِ بأن يحلم بوطن عظيم، بل عمل على تأسيسه وبنائه، حتى أصبحنا اليوم ننتمي إلى دولة تقف بين الأمم بكل فخر وثقة

لقد ترك لنا سموّه ما هو أكبر من الإنجازات والمباني والمؤسسات؛ ترك لنا إرثاً من القيم، ومدرسة في القيادة والإنسانية، ومعنى عميقاً للوطنية والانتماء

وكلما نظرت إلى الإمارات اليوم، وإلى ما حققته من تقدم وازدهار، وإلى الأجيال التي تعيش فرصاً لم تكن متاحة من قبل، أشعر بأن جزءاً من ذلك الحلم الذي زرعه زايد لا يزال يكبر أمام أعيننا

وهنا تكمن عظمة القادة الذين لا يرحلون حقاً؛ لأنهم يتركون خلفهم وطناً يحمل رسالتهم، وشعباً يحفظ عهدهم، وأجيالاً تواصل مسيرتهم

لكن اسمحوا لي أن أعود إلى ليلى التي كانت تجلس أمام شاشة التلفزيون في تلك الأمسية الرمضانية

لو سألتموني اليوم، بعد كل هذه السنوات، هل تستطيعين مشاهدة إعلان رحيله دون بكاء؟

سأقول لكم بكل صدق: لا

ما زلت أتأثر، وما زلت أشعر بالوجع ذاته، وما زالت تلك الدموع تأتي دون أن أستطيع إيقافها

لأنني لا أتذكر تاريخ رحيل قائد فحسب؛ أنا أتذكر لحظة شعرت فيها بأن أبانا قد رحل

وربما لهذا السبب تحديداً، لا أريد لهذه الذكرى أن تكون مجرد مناسبة نستعيد فيها الحزن. أريدها أن تكون تذكيراً بما تركه لنا، وبالمسؤولية التي نحملها تجاه وطن بناه بحلمه وعزيمته وإيمانه بالإنسان

إن الوفاء الحقيقي لزايد هو أن نحافظ على قيمه، وأن نزرعها في أبنائنا، وأن نواصل مسيرة العطاء، وأن نكون جديرين بهذا الوطن الذي أحبّه وأفنى عمره في بنائه

يا أبانا زايد

لم نعد نستطيع أن نسمع صوتك، ولم تعد أعيننا ترى حضورك، لكننا نراك في وطنك، وفي رايته، وفي إنجازاته، وفي كل قلب يحمل محبتك ويفتخر بالانتماء إلى الإمارات

قد تكون السنوات قد مرّت، لكن محبتك لم تصبح من الماضي

وكلما جاء رمضان، وعادت تلك الأمسية إلى ذاكرتي، سأجد نفسي أمام الشاشة من جديد، أسمع الخبر، وأتوقف، وتسبق دموعي كلماتي.

فبعض الأخبار لا يسمعها القلب مرة واحدة… بل يعيد سماعها طوال العمر.رحم الله والدنا المؤسس، صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وأسكنه فسيح جناته

يا زايد الخير، يا من جعلت من الوطن بيتاً كبيراً لأبنائه، ومن الاتحاد قصة فخر للأجيال

رحلت عن الدنيا، لكنك لم ترحل عن الإمارات، ولم تغادر قلوبنا

سيبقى اسمك محفوراً في تاريخ هذا الوطن، وستبقى محبتك حاضرة في وجدان أبنائه، وسيظل إرثك أمانة نحملها جيلاً بعد جيل

سلامٌ على روحك الطاهرة يا أبانا زايد

فبعض الآباء لا يغيبون برحيلهم، لأنهم يتركون في أبنائهم وطناً كاملاً يتحدث عنهم
أبونا وقائدنا وفخرنا زايد الخير والعطاء … لم تكن يوماً مجرد ذكرى في تاريخ الإمارات، بل كنت وستبقى جزءاً من روحها

Leave a Reply

Trending

error: Content is protected !!